ابن عطاء الله السكندري
القسم الثاني 35
الله ، القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد ( ويليه حبة المحبة )
على المحبة .
--> - المعرفة أخص من العلم لأنها تطلق على معنيين ، كلّ منهما نوع من العلم ، أحدهما العلم بأمر باطن يستدل عليه بأثر ظاهر كما توسّمت شخصا فعلمت باطن أمره بعلامة ظاهرة منه ، ومن ذلك ما خوطب به رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم في قوله تعالى : فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [ محمد : 30 ] . وثانيهما العلم بمشهود سبق به عهد كما رأيت شخصا قبل ذلك بمدة فعلمت أنه ذلك المعهود ، فقلت عرفته بعد كذا سنّة عهده ، فالمعروف على الأول غائب وعلى الثاني شاهد . وهل التفاوت البعيد بين عارف وعارف إلا لبعد التفاوت بين المعرفتين ؟ فمن العارفين من ليس له طريق إلى معرفة اللّه تعالى إلا الاستدلال بفعله على صفته وبصفته على اسمه وباسمه على ذاته ، أولئك ينادون من مكان بعيد . ومنهم من يحمله العناية الأزلية فتطرقه إلى حريم الشهود فيشهد المعروف تعالى جده بعد المشاهدة السابقة في معهد أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : 172 ] ويعرف به أسماءه وصفاته على عكس ما يعرفه العارف الأول ، فبين العارفين بون بيّن ، إذ الأول لغيبة معروفة كنائم يرى خيالا غير مطابق للواقع ، والثاني لشهود معروفه كمستيقظ يرى مشهودا حقيقيا مطابقا للواقع انتهى كلامه . قال في مجمع السلوك : أوحى اللّه تعالى لداود عليه السلام يا داوود : أتدري ما معرفتي ؟ قال : لا . قال : حياة القلب في مشاهدتي . وقال الواسطي : المعرفة ما شاهدته حسّا والعلم ما شاهدته خبرا أي بخبر الأنبياء عليهم السلام . وقال البعض : المعرفة اسم لعلم تقدّمه نكرة وغفلة ، ولهذا لا يصح إطلاقه على اللّه تعالى . وقال الشبلي : إذا كنت باللّه تعالى متعلّقا لا بأعمالك غير ناظر إلى ما سواه فأنت كامل المعرفة . وقيل الرؤية في الآخرة كالمعرفة في الدنيا كما أنّه تعالى يعرف في الدنيا من غير إدراك كذلك يرى في العقبى من غير إدراك ، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [ الأنعام : 103 ] . وقالوا : من لم يعرف اللّه تعالى فالسكوت عليه حتم ، ومن عرف اللّه تعالى فالصّمت له جزم . ولذلك قيل : من عرف اللّه كلّ لسانه ، ولا يعارضه ما قيل : من عرف اللّه طال لسانه : إذ المعنى من عرف اللّه بالذات كلّ لسانه ومن عرف اللّه بالصفات طال لسانه . لأن الشخص الذي له مقام التلوين يكون له معرفة الصفات ، وأما من كان في مقام التمكين فله معرفة الذات . وذلك مثل سيدنا موسى عندما كان في مقام التلوين فتطاول قائلا : ربّ أرني أنظر إليك . فجاءه الجواب : لن تراني . وأمّا نبينا المصطفى صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فلكونه في مقام التمكين فلم يتطاول بلسانه ولم يطلب الرؤية لهذا حظي بالرؤية . أو يقال : المعنى من عرف اللّه بمعرفته الشهودية الضرورية كلّ لسانه ، ومن عرف اللّه بمعرفته الاستدلالية طال لسانه انتهى . وفي خلاصة السلوك : المعرفة ظهور الشيء للنفس عن ثقة ، قال به عليّ بن عيسى . وقال عبد اللّه بن يحيى : إذا أراك الاضطراب عن مقام العلم بدوام الصحبة فهو معرفة . وقيل : المعرفة إحاطة العلم بالأشياء ، قال عليه الصلاة والسلام : « لو عرفتم اللّه حق معرفته لزال الجبال عن دعائكم » . قال أبو يزيد : حقيقة المعرفة الحياة بذكر اللّه وحقيقة الجهل الغفلة عن اللّه . حكى أبو علي ثمرة المعرفة إذا ابتلي صبر وإذا أعطي النعم شكر وإذا أصابه المكروه رضي . وقال أهل الإشارات : العارف من لا يشغله شاغل طرفة عين . قال الجنيد : العارف الذي نطق الحق عن سره وهو ساكت . وقيل : الذي ضاقت الدنيا عليه بسعتها . وقيل : الناس على أربعة أصناف : الثابت الذي يعمل للدرجات ، والمحب الذي يعمل للزلفى القريبة ، والعارف الذي يعمل لرضاء ربه من غير حفظ لنفسه منه . ( كشاف اصطلاحات الفنون 1583 - 1591 ) .